أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

165

شرح مقامات الحريري

[ رابعة العدوية ] وأما رابعة فهي بنت إسماعيل العدويّة ، وكانت قد بلغت من النّسك والفضل والزهد منزلة شريفة ، وكانت منوّرة البصيرة ، مطهّرة السريرة ، حظيت بالمكاشفات الربانية ، وكان سفيان الثوريّ يذهب إليها ويسألها عن مسائل دينية ، ويعتمد عليها ، وخطبها عبد الواحد ابن زيد ، فقالت له بعد أن حجبته أياما ثم أذنت له : يا شهوان ، أي شيء رأيته فيّ من آية الشهوة ! ألا خطبت شهوانية مثلك ! وقال أبو سليمان الداراني : بتّ ليلة عند رابعة العدوية ، فقامت إلى محراب لها ، وقمت إلى ناحية من البيت فلم تزل قائمة إلى السّحر ، فقلت : ما جزاء من قوّانا على قيام هذه الليلة ؟ قالت : جزاؤه أن نصوم له غدا . وزارها أصحابها ، فذكروا الدنيا وأقبلوا على ذمّها ، فقالت : اسكتوا عن ذمّها ، فلولا موضعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ! ألا من أحبّ شيئا أكثر من ذكره . واحتاجت رابعة إلى شيء فقيل لها : لو بعثت إلى فلان ؟ قريب لها فقالت : واللّه لا أطلب الدنيا ممّن يملكها ، فكيف ممّن لا يملكها ! وحدّث جعفر بن سليمان قال : أخذ بيدي سفيان الثوريّ فقال لي : سربي إلى المؤدّبة التي لا أجدني أستريح إذا فارقتها - يعني رابعة - قال : فلما دخلت عليها ، رفع سفيان يديه ، وقال : اللّهمّ إنّي أسألك السلامة ! فبكت رابعة ، فقال لها : ما يبكيك ؟ فقالت : أنت عرّضتني للبكاء ، فقال لها وكيف ذلك ؟ فقالت : أما علمت أن السّلامة من الدنيا ترك ما فيها ، فكيف وأنت متلطّخ بها ! وقال سفيان الثوري لرابعة رحمة اللّه عليهما : ما حقيقة إيمانك ؟ قالت : ما عبدته خوف النار ، ولا رجاء الجنة ، فأكون كالأجير السوء ، بل عبدته حبّا له وشوقا إليه ، وقالت في معنى ذلك : [ المتقارب ] أحبّك حبتين : حبّ الهوى * وحبّا لأنّك أهل لذاك فأمّا الذي هو حبّ الهوى * فشغلي بذكرك عمّن سواك وأمّا الذي أنت أهل له * فكشفك لي الحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذا ليا * ولكن لك الحمد في ذا وذاك وقيل لها : كيف حبّك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقالت : شغلني حبّ الخالق عن حبّ المخلوقين . ودخل سفيان عليها وهي قائمة تصلّي ، فلم تعرّج عليه ، ودخل جعفر - وكان يخدمها - فقال لسفيان : أيّ شيء دار بينك وبينها ؟ قال : ما كلّمتني . فقال لها : يا سبحان اللّه ! الشيخ جاء إليك فما كلّمته ، فقالت : إن العبد إذا كان مقبلا على اللّه عزّ وجلّ كان